عالم القصه

سوزان سامي جميل كندا

ثم يطير

ثمَّ يطيرُ – قصة قصيرة
سوزان سامي جميل- كندا
أحببتكَ مرة حينما كنتُ أحلم؛ أحلم بدزينة بيض مسلوق أُتمُّ أكلها قبل أن تصل يدٌ أخرى إليها، أحببتك حينما كان الشتاء ينزُّ ثلجا ورائحة المداخن تملأ السماء، أحببتك حين عاد أبي من جبهة القتال ببسطاله الممزق وجروحه التي تركت آثارا عميقة على جسده، أحببتك حين داهم بيتنا لص كهل لم يكن له بيت يأويه ولاطعام يأكله منذ يومين. أنت هناك تضرب الناقوس لتوقظ الأفئدة النائمة وأنا هنا أضرب الأخماس بالأسداس وأزداد حيرة وقلقاً. هل كنت تشعر بما يجري لي أو يدور في خلدي؟؟
أمس أخذت أمي المريضة الى الساحل، أصبح وزنها خفيفاً بعد أن توقفت عن ازدراد الطعام منذ أن فقدت القدرة على السير وصارت أسيرة كرسيها النقال، هي تحب كرسيها فقد جلبته لها ست كرستينا الصحافية الاوربية النشيطة. كان الجو مفعما بعبق التراب المبلل، أحب تلك الرائحة، ربما ورثت محبتها من أمي، أمي تقول: “نحن من التراب وإليه فكيف لا نحب رائحته؟ إنها رائحتنا الحقيقية”… تخيفني عبارتك يا أمي لكنني اعتدت عليها! الخريف أصفر وأحمر لاخضرة فيه، يحتضر فيه الصيف ليولد الشتاء. مررنا بسيدة جالسة على الرصيف المحاذي لشارع الضفة، عيناها ذابلتان، تقرأ فنجاناً لعجوز تنصت بجدية مبالغ فيها، قالت أمي: “دعيها تقرأه لك أيضاً.” فعلتُ، لكني لم أكن متحمسة لسماع تنبؤاتها. قالت لي: “سيقبل عليك رجلٌ متين، شعره ناعم وعيناه خضراوان، سيهديك خاتماً من الماس ويضعك على ظهره ثم يطير ثم……” قاطعتها: “كفى، لا تكملي!” وسرنا بعيدا نحو الضفاف، أنتَ لستَ متيناً، ورأسك خانته كل الشعرات وهربت باكراً أما عيناك فأعشق لونهما البني الداكن. خذلتني قارئة الفنجان وتذكرت العندليب الأسمر. رأيت رموش أمي وهي تُغلق تارة وتفتح قليلاً تارة أخرى، أدركت بأنها علامة للنعاس، لكنها ترغب في المزيد من الهواء الطازج. تركتها تغفو وبدأت أقرأ في الكتاب الذي أخذته منك، أتذكر لماذا أخذته منك؟ كان يغفو على صدرك وأنت مستلقٍ على أريكتك المخملية في صالون بيتك الصغير. قلت لي بأنك تحب أن تقرأ لهذه الكاتبة، انتابتني حالة من الغيرة المجنونة، يالسذاجتي! فأخذت الكتاب لأعرفك وأحبك وأغار عليك أكثر. أتعرف بأني أحببت هذه الكاتبة أيضا؟ لكن بدون غيرة من فضلك.
عدنا الى البيت بعد أن ملأ الهواء الطازج رئتي أمي وأنا ملأني الشوق لوجهك. حملتُ أمي كطفلة ووضعتها في سريرها، هرعت الى النافذة لأراقب غروب الشمس البطئ. قبل أن تكمل الشمس غوصها في الأفق دخل أخي المهزوم من عنف الحياة، كان يحمل الخبز في يد والجبن في اليد الاخرى، افطارنا ليوم غد. آآه نسيت، إنه العيد غداً ، لم يعد العيد ولا الفرح في بالنا يا حبيبي. أتمنى لك عيداً كله خير. لاتؤاخذني فالعيد عندي هو يوم لقائي بك. أخي صار عصبياً ويتأفف كثيراً، وأنا أتجنب الحوار معه. يحمل في جعبته الكثير من الأخبار السيئة: مات رئيس العمال اليوم، اختاروا واحداً لينوب عنه حتى قبل أن يتأكدوا من موت الرجل!! شاركني رجلان في صرة طعامي فبقيت جائعاً طيلة اليوم، ألقوا القبض على صديقنا المسكين وهو وحيد أبويه المريضين…. هكذا هي أخبار أخي تشتت العقل وترهق الروح. أحيانا أهرب الى المطبخ بحجة تنظيفه رغم أنه نظيف أصلاً.
السلّم في بيتنا ليس متساوي الدرجات، أول درجة فيه عالية جدا حتى أنني أوسّع من خطوتي أملاً في صعودها ثم تأتي الثانية أقل ارتفاعا ثم الثالثة الأعلى وهكذا، ماذا نفعل؟ لقد بنى أخي ورفيقه القديم هذا السلم ولم يتقنا بناءهُ، عموماً هوسلم قوي ويأخذنا الى مساحة صغيرة تؤدي الى سطح البيت من خلال باب حديدي أسمع أحيانا صريرهُ في الليل فأعرف أن أخي ذهب ليخفي في قنٍّ مهجور للدجاج منشورات يقول عنها خطيرة. مرة وجدت مع المنشورات مجلة على غلافها امرأة عارية، خشيت أن أفتح الصفحة فأفقد ثقة الرب بي وحبه لي. كيف تخلع النساء ثيابها في حضرة الله، أليس الله في كل مكان. أنا أحتفظ ببعض ثيابي حتى حينما آخذ حمامي الاسبوعي!
في الليل طرقت ابنة جارتنا بابنا بقوة، كانت تلهث، أفاقت أمي وخرج أخي من غرفته جزعاً، قالت جارتنا تحدق في أخي: الشرطة في بيت جارنا السمّاك، تبحث عن أفراد خلية سياسية، أخشى أن يلقوا القبض عليك، اهرب أرجوك. تسمرتُ في مكاني وأنا أرى أخي يحتضنها ويطبع قبلة على شفتيها ويهرب من الباب الحديدي للسطح. إنها ابنة جارنا الخياط. أمسكتني من يدي وقالت: “لاتخشي أحداً، سأبقى معكم هذه الليلة.” قبل أن ننام أخرجت صورة أخي من صدرها ووضعتها تحت مخدته على سريره، مرّرتْ يديها على المخدة ثم شمّتها ونامت هناك. أنا لم أفكر أن أضع صورتك في صدري لأنني أراك بقلبي، ويحها إنها لاتحب أخي كثيراً!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق