شعر فصحى

فتحي قمري تونس

عندما يموت الجد

عندما يموت الجدّ

وماذا حين يموت الجدّ؟
كم يبدو السّؤال موجعا
حتّى أنّ شقوق البيت تئنّ
وأتخيّل…
أنّ عجوزا أقعدها الحزن منذ سنين
ستركض بين الجدران مكسورة كحبّة مطر،
ستتعثّر في أثوابها وهي تقبّل آخر أنفاسه،
أو حين تبحث في مرآه الماثل عن مفاتيح عمر مضى
حتّى وهي ترخي مبحوحة جفنيه العالقين بآخر حرف
سوف تبلع لحمه وعظامه بعينين جرفهما الدّمع.
و أتخيّل…
طعمَ المرارة في نشيجها الشّبيهِ بهرولة الخريف بين الأشجار
عصابةَ رأسها المملوء إبرا وظلّ مزامير
وارتعاشَ المسبحة بين أصابعها
كلّما اختنقت بالهواء.

عندما يموت الجدّ
نعود قلوبا بلا أقفال
فتركض أفكارنا نحوها
ويجفّف البكاء نفور عواطفنا من طيبها القديم
ولكنّ حضنها لن يكون بيتا دافئا
لن نسأل أزرار ثوبها لم انفرطت.
أو يدها هل أعياها الدّعاء
أم أنّ دموعنا أغرقت كفّها
وسنكتفي بالعواء.
ثمّ نحاول أن نبكي لأيّام أخرى
ونمارس عادات حزينة
ولا نفعل شيئا آخر سوى العدّ حدّ الأربعين.

عندما يموت الجدّ
سنكنّس كلّ صباح رائحة الموت من غرفته
نعيد ترتيب الأثاث
نفتح النّوافذ عسى أحضانها تشرق
سنغيّر عاداتنا كي ينسانا الحزن
ولكن لن ننسى تأنيب الجدّ.
ستزعجنا أثوابه التي لا تناسب مقاس أحد
حين نفكّر في الثّروة الصّغيرة
ولكن ماذا سأختار؟
أهي عباءته المعبّأة بكلّ شيء:
خطوته وعرقه و نعاسه ومرضه الأخير
أو سجّادة الفجر لأنّ منظرها أعلى سريري
شبيه بغلالة فجر.
وساعة يده سوف أخفيها
كي أذكر مواقيت أوراده وموعد لفافة التبغ

.عندما يموت الجدّ

نصبح أشجارا أو نواعير أو حتّى رسمة في الرّمل
ونزحف مثل ظلام اليد.
سنزور المقبرة أيّاما
فنحفظ أسماء الموتى
وقرآنا كثيرا عنّ الصّبر والسّلوى
ونتعلّم مراسم الدّفن.
ولكنّنا سننسى سريعا طعم الموت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق