الثقافةفعاليات ثقافية

عبد السادة البصري

قراءة في ديوان أمينة عبد الله

صوت التمرّد الأنثوي
قراءة في مجموعة (( بنات للألم )) للشاعرة المصرية أمينة عبد الله
# عبد السادة البصري
(( لابدَّ لي من الخروج
وعدم التواجد في أماكن تجمّع الغرباء
أو عودة المسافرين
لابدَّ من إخفائي
فأنا حنينهم الدائم
لن أترك شيئاً في ذاكرتهم من الآن !! )) ص24
ما أن تمسك بكتاب الشاعرة المصرية ( أمينة عبد الله ) حتى يصدمك العنوان ، أو الثريا التي علّقتها في فضاء غلافها الأول (( بنات للألم )) ،، لماذا ؟! لماذا البنات الحلوات اللواتي يبعثن في النفوس المحبّة والسعادة مخلوقات للألم ؟! ومن أين يأتيهن هذا الألم ؟! ،، بعنوانها هذا تعطيك مفتاحا ، أو إشارة إلى أنها ستتحدث بلسان بنات جنسها ، كونها أنثى تحمل الأوجاع والمسرّات ذاتها ، التي مررن وما تزال حياتهن مربوطة بحبلٍ متين لكل شيء !!
بعد الصفحة الأولى تفاجأ بالإهداء :ــ
(( إلى كل الأزمات التي مررتُ بها )) ص5
وهذا يؤكد أنها ستمشي على سكة حياة المرأة ، وتتوقف عند محطات الألم والشعور بالإحباط في بعضها ، لكنها ستنتصر في النهاية لتقول :ــ (( إلى وحدتي المخلصة )) ص5
تنقسم رحلتها التمردية هذه إلى قسمين (( أنا ووحدتي ،،، أسدان في قفص )) ، في القسم الأول أخذت على عاتقها تقسيم النساء على حسب المقدرة الأنثوية ، لتصل إلى نتيجة لابدّ منها ، وهي لسن متساويات أبداً ، هناك فرق بين الواحدة والأخرى ، لكل واحدة منهن حياتها ونشأتها وقدرتها على الوقوف بوجه العثرات والرياح :ــ
(( النساء
عندما يملكن المال لاصطحاب رجل )) ص9
(( النساء الجميلات
صغيرات السنّ اللائي يملكن الحيوية )) ص10
(( النساء المحتميات بالحدّة
كرداءٍ لستر عورات قلوبهن )) ص11
(( النساء اللائي حُرمن الأنوثة )) ص12
((النساء المحبّات للثرثرة ،، )) ص13
(( نساء يدركن خيانة أزواجهن
من رائحتهم )) ص14
(( النساء المدركات لخيانة أزواجهن )) ص15
(( نساء يكرهن العادات التي تجعل منهنّ
مجرد رحم )) ص16
لتقف بعد ذلك وتؤشر لكل واحدة منهن آلية حياتها مع الرجال ، منهن المتمردة التي ترفض الانصياع لكل ما تريده سلطة الرجل ، وأخرى راضية وقانعة بقدرها دون أدنى اعتراض ، تسير خلفه كيفما يشاء ، ومثلما يريد دون أن تنبس شفتها بكلمة أبداً .
بعد تقسيمها لبنات جنسها بهذا الشكل المتمرد تصرخ بملء فمها :ــ
(( البغاء المقنن
هذا الذي فعله رجال الدين
وفعلته الأوراق الرسمية
المسمّى زواجا
سجناً بلا عفو مشروط
أو إفراج مؤقت
أو حتى تسامح متبادل
هذا المسمّى زواجاً )) ص19
لتشرح صرختها هذه ، وحسب ما أرادت أن ترسمه في لوحتها داخل كيانها الأنثوي :ــ
(( يمسخ ملامحك الشخصية
وينسخها في خزانة أناس آخرين
لا نعرفهم جيداً )) ص20
ثم تبدأ بتقسيم الرجال أيضاً ، على وفق ما تراه فيهم :ــ
(( رجلٌ
أراه كل يوم عائداً بفطورٍ أسري
حزيناً من تكرار نفس الفطور )) ص22
(( أحتفظ برجلٍ
أراه صباحاً في محطة الترام
أراقب عذابه لحبِّ فتاة صغيرةٍ
من طالبات المدارس )) ص23
لتصرخ مرةً أخرى :ــ
(( نحن النساء
اللائي قُهرنَ بالأسماء الذكورية
في بطاقات الهوية
لابدَّ لنا من الاقتران برجلٍ ما
أب
ــ لا يشترط أن يكون رحيما ــ
زوج
ــ عادة لا يكون محبّاً ــ )) ص25
وعندما تريد أن تؤكد معاناة المرأة في كل دقائق حياتها من الولادة وحتى الموت تتوقف عند كل محطات ألمها :ــ
(( سلامٌ علينا
طوبى لجروحنا
من ثقب الأذن
الختان
غشاء البكارة
الحمل
الولادة
الرضاعة
سلامٌ علينا بحجم النزيف )) ص28
هذه أدق وأصعب اللحظات التي تمرّ بها الأنثى في مجتمع ذكوري النزعة كما تصورها الشاعرة ، قد نشعر بها بشكل خارجي أو ظاهري دون الإحساس ببواطن الأمور من وجع ونزيف يتدفق من كل خلايا روحها الرقيقة !!
بعد ذلك تتحدث عن معاناة المرأة مع الرجل الذي يتّخذ منها فراشاً لقضاء وطره منها ، في لحظة اشتهاء وانتشاء فقط ، ثم يتركها تلملم خيباتها وما تبقى من نثار روحها المتشظية هنا وهناك ، لتؤكد أن سعادة العالم كله قد جاءت من هذه المعاناة والآلام :ــ
(( أرحام الأمهات بهجة العالم )) ص39
وبعد خوضها في كل التفاصيل عبر صفحات كتابها ، نصل معها بعد رحلة تمرّد في أقصى حالاتها هذه بين دقائق حياة بنات جنسها إلى النتيجة الحتمية التي تتوقف عندها دائما كونها أنثى تحمل الصفات كلها :ــ
(( امرأة واحدة
في كل عصر
تلك التي يراها الناس مدينةً مترامية الأطراف
ومتّسقة الأرواح
امرأة واحدة
يتناثر منها عطر نساء أخريات
تحمل فيها سذاجة النساء وقدرتهنّ المفرطة
على الضعف
وتملك نفس المرأة شجاعة المستأسدة
هذه المرأة بلا شك
ظاهرة ملغزة
هذه المرأة …..
أنا !!! )) ص47
بهذه الكلمات تؤكد قولها ، بأنها رفعت لواء التمرد بكل كلمة قالتها نيابة عن بنات جنسها المعجونات بالألم ، في هذا العالم المادي الذي يسحق روح الأنثى تحت رغبات الذكر، وسطوته التي جلس فيها على عرش مملكته يحركهنّ كيفما يشاء !!
الشاعرة أمينة عبد الله ، صرخت نيابة عن كل أنثى أودعت شهقتها وحسرتها داخل كينونتها ، وانزوت في ركنٍ منسيٍّ داخل روحها المكبوتة ، حيث أكّدت على إنسانية المرأة ، وأنها النصف الجميل والعذب الذي نحتاجه في كل حين لتخفيف عذاباتنا من عثرات الحياة وثقل أوزارها !!
إنها كتبت بصوت وهاجس وحلم وتهجد وحسرة وألق ووجع وذاكرة الأنثى ، التي تعتبر الركن الأساسي في الوجود ، فلولاها لما كان للحياة معنى ، ولا استمرت بديمومة التوالد والانتعاش أبدا ، بل لكانت صحراء جرداء قاحلة وكئيبة لن يسكنها احد !!

# بنات للألم / شعر / أمينة عبد الله / كيميت للثقافة والفنون والنشر والتوزيع / مصر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق