شعر فصحى

فهمي صالح

حب يابس

حُبُّ يَابِسْ

قصيدة / فهمي الصالح *

تَجْلِسُ عِنْدَ زَاوِيَةِ الْبَحْرِ الْغَافِي يَابِسَةَ الْحُبِّ
لا أَحَدَ يَرْمُقُ رُوحَهَا غَيْرِيَ عَبْرَ رَملِ الشُّرُفَاتِ الْبَارِدَةِ
وَذَلِكَ الْحُوتُ الْأَزْرَقُ يَتَنَفَّسُ عُمْقَ مَوْجٍ لائِذٍ بِغَرَقٍ
مَا أَجْمَلَهَا وَهِيَ تُومِئُ لِكِلَيْنَا بِالْمَجِيءِ إِلى السَّرَابْ.؟
***
لِمَاذَا السَّرَابُ يُبْقِينِي مُجَنْدَلاً فِي زَمْهَرِيرِ الْغَرَقِ
كَقَبْرٍ مُشْرَئِبٍّ يَرَاهُ الْمَارَّةُ الْآيبينَ إِلى بُيُوتِهِمْ
حِينَ سَيِّدَة القَصِيدَةِ الَّتِي عَلَّمَتْنِي الْاِرْتِوَاءَ
تَأْخُذُ عِطْرَهَا نَحْوَ الْحَبِيبَاتِ الْمُشَاكِسَاتِ
الْلاَّئِي يَخْرُجْنَ مِنْ مَلاَمِحِهَا لِيَنُمْنَ مُبْتَعِدَاتٍ
عَنْ دَمِي فِي رَعْشَةِ الْقَلْبِ وَخَيَالاَتِ النَّدَمِ.؟
لِمَاذَا سَيْفُ الْحُبِّ الْخَشَبِيٍّ يَحْتَسِي آخِرَ أنَّاةِ الْجِرَاحِ
الَّتِي غَامَتْ مِثلَ حَرْبٍ دُونَ أَنْ يُلوِّحَ لِلطَبِيعَةِ
الَّتِي أَغْرَاهَا الْعَرَقُ بِالبَقَاءِ عِنْدَ أَحْلاَمِ الْجُنُودِ.؟
لِمَاذَا وَأَنَا لَسْتُ دَمْعَكَ أَيُّهَا الْحُبُّ الْمُتَحَوِّلُ:
– أَثقَلَتَ عُمْرِيَ بِالنُّدُوبِ.؟
– أَغْرَقَتَ أَحْلاَمِيَ بِالْحَجَرِ.؟
– شَرِبَتَ صَبْرِيَ مِنْ قُوَّتِي فِي حَيَاتِي.؟
فَمَا زِلْتُ أَبْحَثُ عَنْ مَطَرِي الَّذِي يَحْمِلُنِي إِلى الْأَعْشَابِ
إِلى أَقْرَاطِهَا الَّتِي تَتَنَفَّسُ بِأَلْوَانِ دَمِي وَوَجهِي وَأَقْنِعَتِي.!
فَرَاشَاتُها الَّتِي حَطَّتْ عَلَى رُوحِهَا كَانتْ تَنامُ بِعُمْرِي
وَيَرَاعَاتُهَا الْبَهِيَّةُ تَنَامُ في اِحْتِفَالِيَّاتِ السَّمَاءِ هَادِئَةً
فَلاَ عَاصِفَةٌ فِي غُرْبَتِهَا تَنْتَظِرُ وَلاَ سِهَامٌ مِنَ الْعَبَثِ تَطِيشُ
رُوحُهَا الْمُكَلَّلَةُ بِصَولَجَانٍ يُمْسِكُ أَوْتَادَ الرِّيحِ بِالْجَبَرُوتِ
وَلاَ مِزَقُ قُمْصَانِي عِندَ غُرَّتِهَا تَتَضَمَّخُ بِعُبُورٍ إِلى شُرُوُدٍ
آهٍ .. أَيَّتُهَا الْمُتخَمَةُ بِدَمعِي وَدَمِي وَحَقَائِبِي.!
آهٍ .. أَيَّتُهَا الْمُتخَمَةُ بِرَحِيلِي وَأَسَفِي وَاِغْتِرَابَاتِي.!
أَنْتِ مُسَافِرَةُ بِجَمَالِ لَمْحِكِ إِلى طُوفَانِكِ النِّهَائِيِّ.!
قَلْبِي هُنَاكَ يَغْرَقُ فِي الْقِيعَانِ دُونَ مَلاَذَاتٍ وَلاَ نَجَّادَاتٍ
نُحِبُّكِ أَيَّتُهَا الْأَمِيرَةُ الَّتِي عَلَيْهَا السِّمَاتُ تَبْكِي خُلاَصَتَهَا
كَمَا سُفُنٍ مُغَادِرَةٍ إِلى الرِّيحِ دُونَ بَوْصَلاَتٍ
لِكَي تَتَلَقَفَكِ الْأَرْوَاحُ فِي الْأَغَادِيرِ بِكُلِّ بَرَاءَةِ النِّهَايَاتِ
وَنَتَشَوَّقُ إِلَيْكِ كَمَا سُنْبُلَةٍ تَصْهَلُ فِي مَوْجِ ضَحِكٍ وحَصَادٍ
بِلا نِفَاقٍ لِتُنْهِي جُوْعَنَا الْبَعِيدَ بِشَكْلٍ مُتَحَضِّرٍ وَمَأْسَاوِيٍّ
أَنْتِ الْأَمِيرَةُ الغَائِبَةُ وَلاَ جِدَالَ في سِحْرِ الْحُضُورِ أَو المَوْتِ
وَأَنَا أُرَاهِنُ عَلَيْكِ بِالْإتْيَانِ إِلى جِرَارِيَ الْهَائِمَةِ بِالْحَقَائِبِ
وَلاَ تَهُمُّنِي أَيُّ خَسَارَاتٍ طَالَمَا مَعَكِ الْمَاءُ يَجرِي كَالْمَدامِعِ
الْمَاءُ الَّذِي يُحْيِينِي مِنْ ضَياعَاتِ الْمُكُوثِ بَيْنَ الصُّخُورِ.!
فَإِلاَمَ تُشِيرِينَ يَا أَمِيرَةُ.؟
قَلْبِي أَنْهَكَتُهُ صَوارِي الْهُرُوبِ.!
أَلْوَاحُكِ الْمُتْعَبَةُ تَضْرِبُ قَلْبِيَ مُنْذُ حُرُوبٍ قَادِمَةٍ
وَمَا عَادَ الْمَاءُ يَرفَعُ نُورَكِ لِيَبْلُغَ دَهْشَةَ الْلَّيمُونِ
فِي غَسَقِ الْغَرَقِ أَو لِيَرْسِمَ صُورَتِي بَيْنَ الرُّكَامِ
غَابَتِ الْأَمْوَاجُ عَنْ صَهِيلِكَ أَيُّهَا الْحُبُّ الْأَصَمُّ
كَيَاقُوتَةِ نَأْيٍ عَنِ الْجَمَالِ الْخِتَامِيِّ فِي حَرْقِ النِّهَايَةِ
دَرْبُكَ النَّاشِفُ يَبْكِي حُلْمَهُ وَسْطَ دُمُوعٍ يَابِسَةٍ
لِأَنَّ مِنْ كَرَمِ النَّهْرِ فِي الْحُبِّ أَنَّهُ يَغْرَقُ أَيْضَاً.!
…………………………………………
* شاعر من العراق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق