الجودةجودة التعليم العالى

القيادة الاستراتيجية

د رضا حجازي

من كنوز د رضا حجازي

منقول من صفحته الشخصية يونيو 2026

أدركت عبر سنوات العمل العام والعمل الخاص أن القيادة لا تبدأ بإصدار القرارات، بل ببناء الثقة وكسب احترام الناس.
فالناس قد يلتزمون بالتعليمات، لكنهم لا يقدمون أفضل ما لديهم إلا عندما يشعرون بالتقدير، والعدل، وأنهم شركاء حقيقيون في النجاح. ولهذا فإن القائد الناجح لا ينفرد بالرأي، بل يحرص على إشراك جميع أفراد المنظومة في صناعة القرار، ويستمع باهتمام إلى مختلف وجهات النظر، خاصة الآراء المعارضة، لأنها قد تكشف ما يغيب عن الجميع وتجنب المؤسسة أخطاء كان من الممكن تفاديها.
والقيادة ليست أن يتخذ القائد كل قرار بنفسه، بل أن يختار الكفاءات، ويفوضها، ويمنحها الثقة والمساحة لتحمل المسؤولية، فالمؤسسات القوية تبنى بالتمكين لا بالمركزية.
كما أن القرارات المصيرية لا تحتمل التسرع، وإنما تحتاج إلى هدوء، وحسن تقدير، ودراسة متأنية لآثارها، مع مراعاة الظروف الإنسانية، والاختلافات بين الناس، والنظر بعناية إلى أوضاع الفئات التي قد تتأثر بها، والسعي إلى تقليل أي آثار سلبية قدر الإمكان.
والقائد الواثق لا يرى في مراجعة قراره أو العدول عنه عندما تفرض المصلحة ذلك انتقاصا من مكانته، بل دليلا على حكمته وشجاعته. فالمرونة والقدرة على تصحيح المسار من أهم مقومات القيادة الرشيدة.
ولا تتوقف القيادة عند الخبرة، فالقائد الحقيقي يظل متعلما مهما بلغت خبرته، يدرك أن العالم يتغير كل يوم، وأن مواكبة المعرفة والتطور ضرورة وليست خيارا. أما عندما يظن أنه أصبح يملك كل الإجابات، وأنه لم يعد في حاجة إلى التعلم أو الاستماع، فغالبا ما تكون تلك بداية الفشل.
والقيادة الحقيقية لا تبحث عمن يتحمل مسؤولية الإخفاق، بل تبدأ بتحمل القائد لمسؤوليته، والعمل مع فريقه على فهم أسباب التقصير، واستخلاص الدروس، وتحويل التحديات إلى فرص للتحسين والتطوير.
كما أن الشفافية في التواصل، ووضوح الأهداف، والصدق في عرض التحديات، تبني جسور الثقة بين القائد وفريقه، وتجعل الجميع أكثر استعدادا لتحمل المسؤولية والمشاركة في الحلول.
وعندما يشعر الإنسان بأنه مسموع، ومقدر، ومحل ثقة، وأن بيئة العمل تقوم على الاحترام والإنصاف والتعاون، فإنه لا يؤدي واجبه فقط، بل يبدع ويتجاوز المتوقع. ومن واجب القائد أن يحفز جميع أفراد المنظومة على إبراز أفضل ما لديهم، وأن يحتفي بإنجازاتهم، وينسب النجاح إلى فريقه قبل أن ينسبه إلى نفسه، لأن التقدير الصادق يصنع الانتماء، والانتماء يصنع الإنجاز.
تبقى الثقة هي رأس مال القيادة الحقيقي؛ تبنى بالمواقف، وتترسخ بالعدل، وتحافظ عليها الحكمة، وقد يفقدها الإنسان بقرار لم يحسن دراسته، أو كلمة لم يحسن اختيارها.
رضا حجازي
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق